الغزالي
183
إحياء علوم الدين
وغلبت عليه الشهوة ، لكان يحس من نفسه بنار الشهوة ، ولكن لا يدرى أنه يشتاق إلى الوقاع ، لأنه ليس يدرى صورة الوقاع ، ولا يعرف صورة النساء ، فكذلك في نفس الآدمي مناسبة مع العالم الأعلى ، واللذات التي وعد بها في سدرة المنتهى ، والفراديس العلا إلا أنه لم يتخيل من هذه الأمور إلا الصفات والأسماء ، كالذي سمع لفظ الوقاع واسم النساء ولم يشاهد صورة امرأة قط ، ولا صورة رجل ، ولا صورة نفسه في المرآة ليعرف بالمقايسة فالسماع يحرك منه الشوق ، والجهل المفرط ، والاشتغال بالدنيا قد أنساه نفسه ، وأنساه ربه وأنساه مستقره الذي إليه حنينه واشتياقه بالطبع ، فيتقاضاه قلبه أمرا ليس يدري ما هو فيدهش ويتحير ويضطرب ، ويكون كالمختنق الذي لا يعرف طريق الخلاص فهذا وأمثاله من الأحوال التي لا يدرك تمام حقائقها . ولا يمكن المتصف بها أن يعبر عنها ، فقد ظهر انقسام الوجد إلى ما يمكن إظهاره ، وإلى ما لا يمكن إظهاره واعلم أيضا أن الوجد ينقسم إلى هاجم ، وإلى متكلف ويسمى التواجد ، وهذا التواجد المتكلف ، فمنه مذموم ، وهو الذي يقصد به الرياء ، وإظهار الأحوال الشريفة مع الإفلاس منها ، ومنه ما هو محمود ، وهو التوصل إلى استدعاء الأحوال الشريفة واكتسابها واجتلابها بالحيلة ، فإن للكسب مدخلا في جلب الأحوال الشريفة ولذلك أمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] من لم يحضره البكاء في قراءة القرءان أن يتباكى ويتحازن ، فإن هذه الأحوال قد تتكلف مباديها ، ثم تتحقق أواخرها ، وكيف لا يكون التكلف سببا في أن يصير المتكلف في الآخرة طبعا ، وكل من يتعلم القرءان أولا يحفظه تكلفا ، ويقرؤه تكلفا مع تمام التأمل ، وإحضار الذهن ، ثم يصير ذلك ديدنا للسان مطردا ، حتى يجرى به لسانه في الصلاة وغيرها وهو غافل ، فيقرأ تمام السورة وتثوب نفسه إليه بعد انتهائه إلى آخرها ، ويعلم أنه قرأها في حال غفلته ، وكذلك الكاتب يكتب في الابتداء بجهد شديد ، ثم تتمرن على الكتابة يده ، فيصير الكتب له طبعا ، فيكتب أوراقا كثيرة ، وهو مستغرق القلب بفكر آخر ، فجميع ما تحتمله النفس والجوارح